عندما يجوب المسلم الحالي بلاد العالم ، ويرى مدى نجاح الإسلام في تلك الدول ، ويتسائل عن أسباب هذا النجاح المُبهِر بالرغم مما يعانوه المسلمين في وقتنا الحاضر من ضعف وهوان وتردي في الأوضاع بشكل عام وذلك مقارنتاً بباقي دول العالم ، إضافةً إلى عدم وجود قادة إسلاميين عظماء كما كانوا عندما إنتشر الإسلام آنذاك ، لا نجد حينها جواباً شافياً إلا إذا تفحصنا الإختلاف الملموس بين طرق تعامل المسلمين الأوائل مع محيطهم حينها وبين طرق تعامل المسلمين الحاليين مع محيطهم الحالي .
ومما لا شك فيه أنَّ التحديات التي واجهت المسلمين الأوئل في بداية الدعوة الإسلامية إنما كانت أكبر بكثير من تلك التحديات التي يواجهها المسلم الحالي ، ولعل من أهم تلك التحديات هي طرق التعامل مع أهل الكتاب من يهود ونصارى ، وكذلك مع الملحدين والكافرين والمشركين وغيرهم من أصحاب الفلسفات الوضعية .
ولا نُبالغ أن نقول بأنَّ طرق التعامل مع هؤلاء إنما هي من أكبر المشاكل وأعظم التحديات التي يواجهها المسلمين اليوم ، كيف لا ونحن نرى بأُم أعيننا ونتلمس بكامل حسنا مدى إلإحترام الكبير والتعظيم الفريد الذي يحضى به الصحابة الكرام آنذاك عندما جابوا الأرض شمالها وجنوبها ، شرقها وغربها .
فما زالت شعوب الأرض التي تشرفت بلقاء هؤلاء تكن لهم كل المحبة والإحترام والتقدير ، وما زالت تتغنى وتفتخر بقدوم هؤلاء إليهم بل وتتبع آثارهم وتتلمس الأماكن التي مرو بها وكذلك تحرص على التعريف بالأشخاص من أبناء جلدتهم الذين تحدثوا إليهم وعاشروهم حينها ، ولا ننسى هُنا أن نذكر بأنَّ هؤلاء المسلمين الأوائل كانوا معدودين وإمكانياتهم محدودة ، وعلومهم الغير إسلامية تكاد أن تكون معدومة ، ومع ذلك فلقد أحسنوا التعامل والتصرف مع الجميع دون إستثناء حتى إكتسبوا إحترام الجميع وتقديرهم وكذلك تعظيمهم ومن ثُم الأخذ بدينهم والتمسك به بل وتوريثه إلى أبنائهم والأجيال من بعدهم ، فنجد المسلم الغير عربي يعتز بإسلامه ويفتخر به وذلك بالرغم من نفوره من الشعوب العربية في الوقت الحاضر ولا نقول كرههِ لهم .
إذاً السبب المُباشر في تقبُل شعوب الأرض للمسلمين الأوائل حينها هو تميزهُم في طريقة تعاملهم مع من يُخالفهم بالدين والمُعتقد ، وبالمقابل فالسبب المُباشر في نفور شعوب الأرض من المسلمين الحاليين هو فشلهم في طريقة التعامل مع من يُخالفهم بالدين والمُعتقد .
وإختصاراً للموضوع ، على المسلمين في وقتنا الحاضر أن يتقبلوا الآخر مهما يكون وكيفما يكون ، وأن يسعوا بكل جهد ل**ب إحترام الآخرين وتقديرهم دون إقصاء لأحد ما ، ونقصد بالآخرين هُنا هُم جميع شعوب الأرض دون إستثناء على الإطلاق .
أما الطريقة المثالية بالنسبة لنا كمسلمين للنجاح في هذا الأمر والتي كان المسلمون الأوائل يأخذون بها ، هي قبول المسلم للمسلم الآخر دون الدخول في التفاصيل وترك حسابه على الله ، وكذلك قبول اليهودي كيهودي موحد لله دون الدخول في التفاصيل وترك حسابه على الله ، وأيضاً قبول المسيحي كنصراني موحد لله دون الدخول في التفاصيل وترك حسابه على الله ، أما بخصوص من يخالفنا في التوحيد فنتقبلهم كبشرٍ مثلنا مثلهم تربطنا معهم عهود ومواثيق علينا الإلتزام بها قدر المُستطاع ونترك حسابهم على الله .
إذاً علينا كمسلمين الإبتعاد قدر الإمكان عن الدخول في التفاصيل الخاصة بالآخر ، ولا يفوتنا أن نذكر هُنا مقولة مشهورة عند الغرب والتي تقول بأنَّ الشيطان يكمن في التفاصيل .
وبخصوص الدين الإسلامي وأحكامه الخاصه بهذا الشأن ، ومع وجود العديد من الآيات القرآنية التي تدعم هذا التصرف الحكيم وتأيده وتدعو له ، نكتفي هُنا بقولهِ تعالى (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) .
إذاً هُنا تكمن سعادة المسلم ونجاحه في مجتمعه ، وهُنا يكمن سر إكتساب محبة وتقدير وكذلك إحترام الآخرين دون إستثناء ، وهُنا يكمن سر نجاح المسلمين الأوائل وتميزهُم في إكتساب محبة الآخرين وقبولهم لهم بالرغم من الإختلافات الكبيره التي كانت بينهم وبين الآخرين من حولهم والتي تشمل اللغة والفكر والثقافة والعلم والتقاليد وغيرها كثير .

أبو أنس الكاظمي (Mohammad al kazimi)Google إجابات-العلاقات الإنسانية-العالم العربي-الإسلام-الثقافة والأدب


أكثر...