التلفزيون المغربي.. تفكيك للهوية الثقافية وإنتاج لكائنات هجينة


يعرف المشهد التلفزيوني في جميع أنحاء العالم انفجارا في العرض غير مسبوق، يضع في متناول المشاهد مئات من القنوات التلفزيونية، التي تفوق حاجته في المشاهدة، بل تملأ حياته اليومية إلى درجة تمنعه معها من الاهتمام
بالمصادر الأخرى للمعرفة والثقافة والفن، وبشؤون حياته في كثير من الأحيان، مما يحوله إلى كائن سلبي خامل غير فاعل في محيطه الاجتماعي والثقافي.
وتزداد حدة هذا الأمر في بلد متخلف مثل بلادنا، تكثر فيه نسبة الأمية وتغيب برامج المعرفة والتثقيف عن قنواته التلفزيونية العمومية (وهي وحدها المتوفرة لحد الآن)، التي ترفض، لحد الآن، تقديم «خدمة عمومية» كما هو متعارف عليها دوليا، وتصر على الاحتكام إلى «نسب المشاهدة»، مثلها في ذلك مثل أي قنوات تجارية خاصة تعتمد على الوصلات الإشهارية في التمويل، وبالتالي تملأ ساعات البث بأي منتوج وكيفما اتفق (بدعوى أن «هذا ما يحبه الجمهور»).
وبحكم ضعف الإنتاج الوطني، تعمل المنتوجات الأجنبية الرخيصة (والرديئة) على ملء معظم ساعات البث؛ الشيء الذي يعمل على تفكيك صلة المشاهد بهويته وقيمه الثقافية الخاصة، وخلق كائنات هجينة معلقة في الهواء، بدون جذور ولا انتماء، يمكن لأي تيار أن يجرفها إلى الوجهة التي يشاء، وبطاقة تدميرية صرنا نلمسها اليوم في الشارع بشكل يومي أو في بعض التظاهرات الرياضية والغنائية التي تسود فيها روح القطيع، كبديل لغياب الإحساس بالانتماء إلى ثقافة وإلى مجتمع وإلى وطن.
لذلك، فإن الحاجة قائمة إلى «نقد» التلفزيون في بلادنا، في أفق تحويله إلى أداة للمعرفة والتثقيف والتربية المواطنة والتلاحم الاجتماعي وبناء الهوية الموحِّدة وربط علاقات قوية ومتكافئة مع العالم. وفي هذا السياق يمكن اعتماد الأفكار التالية:
الإخبار بالبرامج الجيدة التي تستحق المشاهدة في القنوات المغربية كما في القنوات العربية والأجنبية الأكثر مشاهدة بالمغرب، من أجل «توحيد المشاهدة»، ما أمكن، وسط المواطنين المتابعين لبرامج التلفزيون، وخلق مواضيع مشتركة للنقاش، وبالتالي لتقوية اللحمة الاجتماعية المشتتة في الوقت الحالي.
متابعة البرامج الوطنية، والخارجية الأكثر مشاهدة، بنقد لا ينحصر ضمنها، بل يضعها في سياق علائقي يبين مدى اقترابها أو ابتعادها مما هو مطلوب على المستويين: المعرفي والسوسيو ثقافي، لتلبية جملة من الوظائف التي من شأنها تلبية حاجات المواطن في المعرفة والتربية والإخبار، وربطه بثقافته ووطنه، مع جعله منفتحا على العالم.
مناقشة «الخط التحريري» للقنوات التلفزيونية المغربية، ومدى اقترابه أو ابتعاده من تلبية الوظائف المشارة إليها أعلاه، خاصة، انطلاقا من نوعية البرامج التي يتم بثها من قبل هذه القناة أو تلك («الخيط الأبيض» والمسلسلات الم**يكية المدبلجة و«استوديو دوزيم» في القناة الثانية و«قصة الناس» و«مسرح الجريمة» في «ميدي 1 تي في»، مثلا).
مناقشة «السياسات العمومية» في مجال التلفزيون، سواء على مستوى الدولة أو الحكومة أو بعض المؤسسات (الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، مثلا)، آفاقها وحدودها (مثلا رفض الترخيص لقنوات تلفزيونية خاصة، غياب الوضوح فيما يخص اللغة المستعملة في الأخبار، كما في الإنتاج الوطني، مما يعطينا لغة هجينة خليطا بين العربية والفرنسية تعزلنا عن العالم). إعطاء أولوية خاصة للدفاع عن الإنتاج الوطني (علما بارتفاع كلفته المادية) في مقابل الإنتاج المستورد (وخاصة منه المدبلج)، من جهة، بحكم أن الإنتاج الوطني هو الوحيد الذي لا يمكن العثور عليه في الفضائيات الخارجية الملتقطة على نحو واسع في بلادنا، ومن جهة ثانية، لأن حضوره يمكن أن يعزز أكثر صلة المشاهد بمحيطه الاجتماعي والثقافي. كل ذلك مع مناقشة الآليات المرافقة لهذا الإنتاج (الكلفة، التمويل، طريقة تمرير الصفقات...) في أفق تدبير أكثر شفافية وفعالية للإنتاج التلفزيوني الوطني.
فتح منبر وطني عمومي للنقاش حول التلفزيون من ضمن مكوناته إجراء حوارات مع الكتاب والمثقفين المغاربة حوله (انطلاقا من ملفات معينة)، وفتح المجال أمام القراء وعموم المشاهدين للإدلاء بآرائهم (حول برامج بعينها أو حول قضايا عامة) ولتحسيسهم بأن أمر التلفزيون يعني الجميع، وأن تحويله إلى رافعة للمعرفة والتنمية أمر ممكن.
إيلاء أهمية للإخبار بمستجدات مجال التلفزيون في العالم، ولمتابعة الإنتاجات الوطنية في هذا المجال، مع إعطاء الكلمة لمختلف الفاعلين، سواء عبر حوارات قصيرة أو عبر مقالات للتعريف بالمنتوج الوطني قيد الإعداد، بشكل غير دعائي، وبما يفتح أفق النقاش والنقد حوله فيما بعد.

بدون اسمالعالم العربي


أكثر...