شهدت الساحة الثقافية السعودية في الأعوام القليلة الماضية بروز تيار فكري أخذ يتأثر بكتابة الماضي من خلال الحاضر، وخاصة في ظل أزمة بناء مجال سياسي عام يتسم بالعقلانية، وسياق سلطوي يعزز من فكرة إشهار الأيدولوجية القبلية -مع العلم بأن الواقع الاجتماعي والاقتصادي لوجودها قد اندثر- بما يساهم في توسيع القاعدة ال**ونية التي من خلالها تعيد العلاقات السلطوية إنتاج نفسها.
بيد أن هذه الإحيائية القبلية نظر إليها بعض المثقفين والإعلاميين بوصفها تعبر عن واقع اجتماعي ذي طبيعة انقسامية ونسبية بالأساس، ليغدو حينها المجتمع النجدي مجتمعا لا تاريخيا يتميز بالسكون ونفي الزمان، وتبدو البداوة بوصفها “مسودة النظام الاجتماعي النجدي”.
وضمن هذا السياق الذي يؤسس لماض “ميتا اجتماعي” أو متخيل، صدرت دراسة حديثة للروائية السعودية وأستاذة علم الاجتماع بدرية البشر. ولعل ما دعانا إلى عرضها هو التقريض الذي حظيت به من قبل بعض الكتابات الصحفية السريعة ودعوة إحدى أهم الصحف العربية إلى وسمه بالكتاب “الدسم”، دون أي محاولة لتوضيح مكمن هذا الغنى داخل الدراسة أو تقديم قراءة نقدية على أساس تراكم معرفي، مما بدل هذه الحالة السلبية من الاستسهال في الكتابة عن الدراسات الحديثة في الصفحات الثقافية العربية. وربما لسبب آخر يتعلق بحالة الخيبة التي أصابتنا عند ع****ا من عتبة الكتاب وعنوانه المثير للاهتمام إلى المتن الذي بقي يرسم الدراما النجدية الكلاسيكية قبل مرحلة اكتشاف النفط كما لو كانت قضية معروفة سلفا، ودون أي محاولة تذكر لإجراء أي نقاش مع الدراسات الأنثروبولوجية والتاريخية العديدة التي أنجزت سواء في داخل المملكة أو خارجها.
في نقد الحكاية النجدية التقليدية
سنحاول في هذا الفصل أن ننقد بعض الملامح والخطوط العامة للدراسة والتي ساهمت في إعادة إنتاج نفس الصور النمطية القديمة عن الفضاء الاجتماعيالنجدي والتي تبدو للوهلة الأولى “ذكية” ومعبرة عن الوضع المدروس، لكنها في الواقع منتزعة أو مجتزأة من سياق أكبر أو صورة أكثر تعقيدا.
المؤلفة في بداية الأمر تسعى للتعريف بهدف الدراسة وهو البحث في الموروث الشفهي (الحكاية الشعبية) كمصدر إثنوغرافي تصب فيه المجتمعات معتقداتها ومعارفها، مما يسهم في معرفة وتقصي ملامح الشعب والجماعة في فترة زمنية غابت عنها الوثائق التاريخية والمدونات.
وبعد تقديمها لكمّ من التعريفات حول موضوعات وسمات الأدب والحكاية الشعبية، سرعان ما تتساءل عن السبب في الغموض ونقص المعلومات حول نجد، وتردّه إلى عوامل عديدة تتعلق بغياب مجال مدني مستقر سياسيا، مما ساهم في تقليل فرص كتابة تاريخ حولها أو في التصدي لرحلة تاريخية في غياهب منطقة وعرة وغير آمنة.
بدون اسمGoogle إجابات-العلاقات الإنسانية-الأديان والمعتقدات-العالم العربي-الإسلام
أكثر...